جزء كبير مما توفره تقنيات الانترنت و أخواتها للنشطاء بديهي و واضح لأي مستخدم للتكنولوجيا، فيما يلي محاولة للتركيز على فرص أخرى رصدنا تفاوت في استغلالها ما بين جماعات النشطاء المختلفة.
رغم سعى أي مجموعة من النشطاء الى انشاء موقع وب لها كجزء أساسي من نشاطها و انتشار استخدام المدونات كبديل في حالة عدم توفر الخبرة التقنية أو الوقت أو المال اللازم لانشاء موقع كامل، بالاضافة الي استخدام البريد الالكتروني كوسيلة أساسية في الدعوة و الحشد، إلا أن أغلب جماعات النشطاء لم تغير من أسلوب عملها لتحقيق أقصى استفادة من تلك المساحات.
فمثلا يتجاهل أغلبنا أن جمهوره على الانترنت يملك نفس القدرة على النشر مما يعني أن هناك فرصة كبيرة للاستفادة من جمهورك في الدعاية.
على الانترنت نسبة من جمهورك تصل إليك بنفسها عن طريق محركات البحث و الروابط، غالبا بحثا عن قضية أو موضوع و ليس بالضرورة عن جماعة من النشطاء. على الانترنت لديك فرصة لمد علاقات مع جمهور يصل إليك بالصدفة أو بسبب فضول لحظي.
وجود آليات لاستيعاب ذلك الجمهور ضرورة، و أهمها التفكير في أنشطة محدودة و واضحة لتشجيع تحول هذا الجمهور من متلقي الى مشارك.
مشاركة الجمهور ليست اختراع جديد لكن فيما عدا حضور فعاليات المشاركة كانت تستدعي بناء علاقة مباشرة ما بين النشطاء و المشارك، فعلى من يرغب في المشاركة أن يحضر اجتماع أو يزور المقر أو على الأقل يتصل بفلان.
لو أخذنا تجربة الرقابة الشعبية على الانتخابات سنجد مشاركة واسعة من جمهور لا يعرف عنه النشطاء أي تفاصيل، ما بين المدونات و شايفينكم و موقع حركة كفاية انتشرت دعوة للمشاركة في الرقابة الشعبية مصحوبة بشرح لقواعد عمل اللجان الانتخابية و آليات التزوير الدارجة. الجهد الاعلامي الذي بذل في نشر تلك الدعوات كان هزيل جدا و مع ذلك لاقت نجاح عالي (الجمهور توصل للدعوة ثم شارك في نشرها بنفسه)، و طبعا وفرت الانترنت آلية لتجميع و نشر مشاركات المراقبين الشعبيين.
يتعامل أغلبنا مع الوثائق التي ننشرها على أنها لحظية، فالتقرير مؤثر لفترة بعد اصداره و توزيعه ثم يقل تأثيره تدريجيا الى أن ينسى، في أحسن الأحوال اذا كانت جماعة النشطاء منظمة جدا و تملك مقر مستقر و درجة من الشهرة تظل تقاريرها و وثائقها متاحة للباحثين و المتخصصين في أرشيف أو مكتبة، و بالطبع أي تأثير تراكمي لتتابع التقارير و الوثائق أو لعمل الجماعات المختلفة يستدعي جهد بحثي كبير.
بسبب انخفاض تكلفة النشر على وب يمكن للمحتوى المنشور أن يستمر و يظل متاحا، لن تتغير فرص الوصول اليه جذريا بفضل محركات البحث، و كل المطلوب لاعادة التركيز على وثيقة قديمة هو نشر رابط لها. محصلة تلك الروابط في حد ذاتها تبني تراكمية للمحتوى، فكل تقرير سنوي يمكنه الربط للتقارير السابقة، لكن آليات النشر الحديثة على الوب تتيح لنا تراكمية أعمق و بمجهود أقل.
مثلا في موقع التعذيب في مصر، تقوم المحررة بتصنيف أي خبر و وسمه بأسماء الضحايا و رجال الشرطة المذكورين في الخبر بالاضافة لمكان وقوع الانتهاك، هذا النظام البسيط يتيح لها (و لكل زوار الموقع) استعراض كل ما نشر عن التعذيب في محافظة أو مدينة ما أو مراجعة تاريخ مركز احتجاز محدد بدون بذل أي مجهود إضافي.
لا يقتصر دور تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات على النشر و التواصل، و انما يمكن أن تستخدم كمساحة للاجتماع و كآلية للتنظيم.
رصدنا مثلا كيف استطاعت مجموعة 9 مارس تخطي المشكلات التقليدية المرتبطة بتحديد ميعاد و مكان مناسب للجميع بالاعتماد على المجموعات البريدية كبديل للاجتماعات.
مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس في مصر تفادت مشكلات تحديد الأدوار و توفيق الاراء عن طريق الاعتماد على نظام الويكي لتخطيط و تنظيم فعالياتها، يمكن لأي عضو المشاركة في التخطيط و متابعة كل تفاصيله و تغيير درجة المشاركة و الالتزام بسلاسة.
كما تعتمد مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس على الشبكة في ادارة انتخابات ذات قواعد معقدة و فترة انتخاب طويلة.
في حركة كفاية و على المدونات و المنتديات المختلفة المتفاعلة معها، التعليقات على خبر أو مقال تتحول الي جلسة عصف ذهن و تخطيط لفعاليات بدون أصلا ضرورة خبرة عمل مشترك سابقة.
كما ذكرنا سابقا طبيعة الانترنت و أخواتها تقلل من الفروق بين الناشر و المتلقي، توزيع بيان بشكل رقمي يمكن أن يتحول لحوار أو فرصة لمد الشبكة و توسيع العضوية.
قبل الانترنت كان الاستفادة من ما توفره أداة مثل جمع التوقيعات على بيان من فرص لتوسيع الشبكة أمر مجهد و بطيئ، قارن هذا "بعضوية" كفاية المتزايدة بسرعة عالية.
الانترنت أيضا تضعف الفروق بين شبكة العلاقات و العضوية، مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس مثلا تعتمد تعريف مفتوح جدا للعضوية و أيضا قائمة بالأعضاء القدامى (محددة بدرجة نشاط العضو و مشاركته)، لا تختلف حقوق الأعضاء و الأعضاء القدامى لكن تقدير نصاب الاجتماعات و الانتخابات و تقييم أداء المجموعة يعتمد على الأعضاء القدامى.
بينما مجموعة 9 مارس تتعمد ابقاء مفهوم العضوية غامض فأي عضو هيئة تدريس يحق له المشاركة في المجموعة البريدية، و كل وثائق المجموعة و فعالياتها يتم جمع التوقيعات عليها و تنشر على أنها تعبر عن توافق الموقعين، أما اذا تعدى عدد التوقيعات حدا معينا ينشر البيان على أنه معبر عن مجموعة 9 مارس، أذن العضوية الفعلية هي الأعضاء الأكثر مشاركة و الأقدر على الوصول لاتفاق و يمكن استنباط عماد المجموعة من خلال مراجعة الأسماء الأكثر تكررا على البيانات كما يمكن لقلب المجموعة أن يتغير بشكل سلس و عفوي مع الزمن حسب الحاجة. لولا الانترنت لما أمكن ادارة آلية بهذا التعقيد بشكل شفاف.
يمكننا رصد تجربة مشابهة و ان كانت غير ممنهجة في حركة كفاية و المدونات المتفاعلة معها، فالعضوية تحولت الى فكرة مطاطة معتمدة على مدى استعداد الفرد للمشاركة و المبادرة لكن فضاء الانترنت ساهم في اعطاء المبادرات المختلفة احساس بالوحدة و الترابط و وفر فرصة للمراجعة و التقييم.
رغم انتشار القناعة بأن الانترنت تحتوى على مصادر مهمة للمعلومات و أداة أساسية للباحثين إلا أن خبرتنا بحكومات لا تحترم الحق في المعلومات يجعلنا نفترض دائما أن المعلومة غير متاحة و نتجاهل أحيانا مصادر مهمة متاحة.
تشكل وثائق الحكومة الالكترونية و المصادر الاقتصادية الدولية و المصادر الأكاديمية كنز لم نبدأ بعد في الاستفادة منه بشكل حقيقي.
مثلا مبادرة مزلاندو تجمع مضابط جلسات البرلمان الكيني و غيرها من الوثائق المتاحة عبر الوب و يقوم متطوعون باعادة صياغة تلك البيانات في شكل جداول مركزة تصف أداء كل عضو و تعرض تاريخه المهني و السياسي محولة بذلك مجموعة من الوثائق المبهمة الى معلومات مفيدة سهل التعامل معها (من السيرة الذاتية للعضو الى سجل تصويته على قرارات المجلس و القوانين التي شارك في صياغتها).
لكن الأهم من متابعة المصادر المختلفة هو الاستفادة من جمهور الوب كمشارك في عملية البحث و التقصي، مثلا لاحظ الصحفي فرناندو رودريجوز بعد كشف عدد من فضائح فساد السياسيين في البرازيل أن الصحافة لا تملك القدرة أو النية لمتابعة كل السياسيين و انما تركز على بعض الوزراء فقط، فقام بنشر كل اقرارات الذمة المالية التي تقدم بها السياسيين المنتخبين و أصحاب المناصب الوزارية على موقع ثم اعتمد بعدها على تقارير تصله من جمهور الموقع لتقدير مدى مطابقة تلك الاقرارات للواقع (يقوم الزائر مثلا بالابلاغ عن فيللا أو أرض ملك برلماني مغمور يفوق سعرها مستوى الدخل المذكور في الاقرار).
لا تنحصر فكرة مشاركة الجمهور على شبكة الناشط المباشرة و جماعة المهتمين بالقضية محل البحث، توفر تقنيات الوب الحديثة فرص عجيبة أحيانا. مثلا قام المدون التونسي أستروبال (صدر بعل) بمتابعة رحلات طائرة الرئاسة التونسية معتمدا على مواقع لهواة الطائرات في أوروبا و رصد مجموعة كبيرة من الرحلات التي لم يذكرها الاعلام التونسي (قد تكون رحلات علاج سرية). مواقع هواة الطائرات تعتمد على مشاركة الزوار في رفع صور لطائرات في مطارات قريبة منهم و مصنفة بنوع الطائرة و شركة الطيران و رقم تسجيل الطائرة و طبعا مرفق بها تفاصيل عن تاريخ الهبوط و الاقلاع، الغرض من تلك المواقع غير سياسي بالمرة و من التقط الصور ربما يجهل أنها طائرة الرئاسة التونسية أصلا.
Recent comments
3 days 7 hours ago
4 days 5 hours ago
4 days 9 hours ago
4 days 11 hours ago
4 days 13 hours ago
1 week 5 days ago
3 weeks 1 day ago
3 weeks 1 day ago
3 weeks 2 days ago
3 weeks 2 days ago