لماذا أصلا نتحدث عن الانترنت؟ الموضوع في النهاية مرتبط بتقنية و أدوات، هل اجتمع النشطاء من قبل للتحدث عن السيارات و حقوق الانسان؟! من السهل تصور اجتماع للحديث عن المحاكم و حقوق الانسان أو الصحافة و حقوق الانسان لكن التكنولوجيا؟! هناك افتراض إذن أن للانترنت خصوصية ما تجعلها جديرة بالمناقشة ليس كتقنية و انما كأداة و ظاهرة اجتماعية و سياسية.
في المعتاد عند محاولة شرح أهمية الانترنت لنشطاء حقوق الانسان يتم التركيز على الطبيعة الدولية للانترنت و سرعة ارسال البريد الالكتروني، و ربما يضيف المتحدث بعض التفاصيل عن امكانية الحصول على نصوص القوانين و المعاهدات أو غيره من مصادر المعلومات التقليدية بتكلفة و جهد بسيط.
في نظرنا ما يميز تلك الشبكة ليس إمكانياتها و إنما طبيعة تنظيمها، فالانترنت شبكة لا مركزية غير خاضعة لسلطة أي مؤسسة يكاد يتساوى فيها كل المتصلين بالشبكة. الانترنت صممت كفضاء حر يمكن لأي متصل أن يضيف لها مواقع جديدة بل و تطبيقات جديدة (لذا تجد قائمة التطبيقات و الخدمات الدارج استخدامها دائمة التغير).
تعددت التقارير المفزعة عن الرقابة على الانترنت و قمع حرية التعبير على الشبكة حتى يتصور المتابع أن الانترنت ساحة لمعركة ضارية تتقهقر فيها قوى التنوير أمام تحالف دولي شيطاني من الحكومات و الشركات و المؤسسات الدينية، هذه الصورة (التي نشارك جميعا كنشطاء في رسمها) و إن كانت مبنية على وقائع حقيقية الا أن محصلتها منافية للواقع، لا تزال شبكة الانترنت فضاء حرا بشكل مختلف جذريا عن أي فضاء آخر في وعينا المعاصر و أبسط دليل على ذلك هو تحول الشبكة للوسيلة الرئيسية لتبادل المنتجات الثقافية و الترفيهية بشكل غير قانوني، فرغم اجماع كل الاجهزة الأمنية و المحاكم في العالم و رغم تهديد مصالح شركات كبرى لم تهتز كفائة أو شعبية شبكات تبادل الملفات مما يدل على صعوبة بل و ربما استحالة حكم فضاء الانترنت.
لكن الانترنت ليست الشبكة الوحيدة التي قطعت أشواط في التخلي عن المركزية و تمكين مستخدميها من المشاركة في تشكيلها.
شبكات الهاتف عموما مركزية جدا تحت سيطرة الدولة و غير خاضعة للتعديل من قبل مستخدميها نظرا لتعقيد البنية التحتية و طبيعة تصميم التقنية. لكن يبدو أن تقنية المحمول في طريقها للتحول إلى شبكة أقرب إلى الانترنت، فالبلوتوث مثلا يبدو لأول وهلة كتقنية محدودة للتواصل في مساحة صغيرة جدا (غرفة واحدة) لكنه في نفس الوقت غير خاضع بالمرة لأي رقابة مركزية و يستحيل حتى محاولة التحكم به. يمكن نظريا للسلطات أن تحجب مواقع استضافة تسجيلات التعذيب في أقسام الشرطة، لكنها عاجزة تماما عن التحكم في قدرة المواطنين على تبادل نفس التسجيلات عبر هواتفهم المحمولة.
نفس الشئ بالنسبة لكاميرات المحمول، تقنية تبدو لأول وهلة تافهة، فالصور منخفضة الجودة و سعة التخزين محدودة و في البداية كان يصعب تصور أي استخدام ذا تأثير اجتماعي لها، لكن تلك التقنية التافهة تفرض على السلطات أمر واقع و حقائق جديدة على الأرض. فرغم أن السينمائيين و الصحافيين مجبرين على استخراج تراخيص أمنية للتصوير في الأماكن العامة، لا يفوت يوم إلا و يظهر تسجيل لطرفة أو فضيحة أو حادثة أو خبر في الشوارع بل و أقسام الشرطة و يتم تداوله سريعا عبر البلوتوث و الانترنت.
أخيرا تمثل الرسائل القصيرة فرصة فرغم اعتمادها على نقطة اتصالات مركزية، لكن امكانية الحصول على خطوط جديدة بسهولة و ظهور برمجيات للبث و الاستقبال تتيح للمواطنين فرصة لتحويلها الى شبكة حرة. استخدم النشطاء في غانا أجهزة حاسب متصلة بتليفون لتجميع و إعادة بث تقارير لحظية قصيرة أثناء مراقبة الانتخابات البرلمانية. و مؤخرا انتشر استخدام خدمة تويتر من قبل النشطاء في مصر لنشر الأخبار بسرعة و تنسيق التعامل مع الأمن في المظاهرات.
و في المستقبل قد يستفيد النشطاء من امكانيات تحويل الرصيد كآلية سهلة و آمنه لجمع التبرعات مثلا.
لا أظننا بحاجة للكلام عن تأثير الفضائيات فالأمر قتل بحثا، التلفزيون بفضائياته تقنية مغرقة في المركزية و لا تشكل فضاء حرا بالمعنى المشروح أعلاه (حتى في أشد الدول انحيازا لحرية التعبير). فرغم أنه يمكن تصور دور لقناة مثل الجزيرة في أحداث تغيير اجتماعي أو سياسي الا أن هذا الدور ليس خاضع للتأثير المباشر للنشطاء أو لعموم المواطنين.
ما يهمنا في التلفزيون ليس شبكاته النظامية و إنما شبكاته الغير قانونية، أو ما يسمى بالوصلة. أول تأثير واضح للوصلة هو تخفيف القيود الاقتصادية مما يوفر نظريا على الأقل فرصة للفضائيات الأكثر حرية من القناوات الحكومية لتخطي الحواجز الطبقية.
لكن أهم خاصية في الوصلة في رأينا هي أنها خاضعة للتشكيل و التطوير من قبل مشغليها. انتشر مؤخرا (و خصوصا في الأرياف) نظام للوصلة يعتمد على إعادة البث التلفزيوني، مما يعني وجود محطة تلفزيونية غاية في المحلية (على نطاق عزبة واحدة على الأكثر) و القائمين على تلك المحطة المحلية يمكنهم ان أرادوا بث محتوى لا علاقة له بالفضائيات (تستخدم فعلا في اعادة بث مباريات الكرة في مواعيد لاحقة).
بالفعل استخدمت الشبكات التلفزيونية المحلية في بث دعاية انتخابية أثناء انتخابات مجلس الشورى الأخيرة في مصر.
تلعب الوصلة دورا أساسيا في نشر الانترنت فائق السرعة على قطاع أوسع من الجمهور، تعتمد الوصلة في ما يخص شبكات الحاسب على انشاء شبكات محلية و المشاركة في اشتراك انترنت واحد، و مؤخرا انتشر استخدام شبكات الحاسب اللاسلكية و خصوصا في الأرياف. قدرة مشغلي الوصلة في التعديل و التشكيل و اختراع أنماط جديدة في الاستخدام فيما يخص شبكات الحاسب تفوق قدرة مشغلى وصلات التلفزيون، و بسبب الانترنت يمكن ربط الشبكات المحلية المتعددة ببعض، و الأهم يتساوى مستخدم الوصلة مع مشغلها في قدرتهم على تطويع الشبكة.
الشبكات اللاسلكية دورها في الأساس الوصول للانترنت لكن ما يجعلها جديرة بالاهتمام في ذاتها هو تشابهها مع البلوتوث و وصلة التلفزيون. فرغم أن أن الشبكة تبنى لتوزيع اشتراك الانترنت إلا أنها تحتفظ بامكانيات الشبكات المحلية، و إذا نجحت الدولة في حجب موقع أو منتج ثقافي ما فيكفي أن يحصل فرد واحد فقط من أعضاء الشبكة المحلية عليه حتى يتاح لباقي الشبكة، حيث أن البنية التحتية للشبكة المحلية لا تعتمد على الدولة بالمرة و يصعب التحكم فيما يحدث داخل تلك الشبكات المحلية.
لا يحضرنا أي أمثلة على استخدام الشبكات اللاسلكية في محاولات التغيير الاجتماعي أو السياسي و لكننا نذكرها كفرصة لتخطي أي رقابة قد تفرض لاحقا على الانترنت.
رغم اقتناعنا بضرورة النظر الى أخوات الانترنت عندما نبحث عن أدوات و فرص و تقنيات جديدة للمساعدة في احداث تغيير اجتماعي أو سياسي، لكن خبرة كاتبي الورقة تنحصر في استخدام الانترنت و بالتحديد تقنيات النشر على الوب.
Recent comments
2 days 5 hours ago
3 days 3 hours ago
3 days 7 hours ago
3 days 9 hours ago
3 days 11 hours ago
1 week 4 days ago
3 weeks 6 hours ago
3 weeks 15 hours ago
3 weeks 23 hours ago
3 weeks 1 day ago